نشر أسرار الطلاق إلكترونياً: جريمة رقمية تهدد مستقبل الأبناء

في ظل التطور المتسارع الذي يشهده العالم الرقمي وسيطرة منصات التواصل الاجتماعي على تفاصيل الحياة اليومية، برزت ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد كيان الأسرة والمجتمع، تتمثل في نقل الخلافات الزوجية من الغرف المغلقة إلى الفضاء الإلكتروني المفتوح. وفي هذا السياق، حذّر المستشار الاجتماعي طلال الناشري من خطورة تحويل الخلافات الزوجية ونشر أسرار الطلاق إلى ما وصفه بـ «المحاكمات الرقمية» عبر منصات التواصل، مؤكداً أن هذا السلوك يمثل انتهاكاً صارخاً للخصوصية وجريمة أخلاقية وقانونية تدمر مستقبل الأبناء.
تحول الخلافات الشخصية إلى محتوى عام
أوضح الناشري في حديثه لـ «اليوم» أن لجوء الأزواج المنفصلين إلى منصات التواصل الاجتماعي لكشف أسرار حياتهم الخاصة وتصفية الحسابات يمثل إحدى أخطر سلبيات العالم الرقمي في الوقت الراهن. وأشار إلى أن هذه الممارسات تنقل الخلاف من إطاره الشخصي المحدود إلى ساحة صراع مفتوحة، حيث ينقسم الجمهور بين مؤيد ومعارض بناءً على روايات منقوصة وعاطفية تفتقر إلى الدقة والعدالة، مما يفاقم المشكلة ويجعل خط الرجعة أو الصلح أمراً شبه مستحيل.
المساءلة القانونية ونظام الجرائم المعلوماتية
من الناحية القانونية، لا يقف هذا السلوك عند حد اللوم الاجتماعي، بل يتجاوزه ليقع تحت طائلة القانون. ففي المملكة العربية السعودية، وتماشياً مع الأنظمة العالمية لحماية الخصوصية، يُعد التشهير بالآخرين والمساس بحياتهم الخاصة عبر وسائل تقنية المعلومات جريمة يعاقب عليها نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية. وحذر المختص من أن إعادة نشر هذه المقاطع أو التعليق عليها بشكل مسيء قد يضع المتفاعل في دائرة المساءلة القانونية، داعياً مستخدمي هذه المنصات إلى التوقف الفوري عن التفاعل مع هذا النوع من المحتوى الذي يقتات على فضائح الناس.
آثار نفسية مدمرة ومستقبل مهدد للأبناء
وشدد الناشري على أن الضحية الأكبر في هذه المعارك الرقمية هم الأبناء. فالإنترنت لا ينسى، والمحتوى المسيء الذي ينشره أحد الوالدين ضد الآخر يظل متداولاً لسنوات طويلة، مما يشكل «وصمة رقمية» تلاحق الأبناء في مستقبلهم الدراسي والوظيفي والاجتماعي. ونبّه إلى الآثار النفسية المدمرة التي قد تصيب الأطفال، بدءاً من القلق والاكتئاب، وصولاً إلى العزلة الاجتماعية وفقدان الثقة في المجتمع، نتيجة شعورهم بالعار من تداول أسرار عائلتهم على الملأ.
القيم الدينية والأخلاقية
واستشهد المستشار بالنصوص القرآنية والتوجيهات الإسلامية التي تحض على «الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان»، مؤكداً أن الدين الإسلامي يفرض حفظ الود وصون الأسرار حتى بعد انقطاع العلاقة الزوجية. واعتبر أن ظهور أحد الطرفين في مقاطع مصورة لسرد تفاصيل دقيقة عن الطرف الآخر يعكس أزمة وعي عميقة، ومحاولة بائسة للبحث عن انتصار وهمي أو دعم مجتمعي مفقود، على حساب قيم الستر والتربية السليمة.
واختتم الناشري حديثه بالتأكيد على أن الوعي الرقمي واحترام خصوصيات الآخرين يمثلان مسؤولية جماعية وأخلاقية، لا تقل أهمية عن القوانين والأنظمة الرادعة، مشدداً على ضرورة إبقاء الخلافات الزوجية داخل إطارها الخاص لضمان سلامة الصحة النفسية لجميع أفراد الأسرة.



