فنلندا ترفض استبدال الردع النووي الأمريكي بأوروبي

في تصريحات تعكس التمسك بالتحالفات التقليدية الراسخة، وصفت فنلندا، العضو الحديث في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الدعوات الرامية إلى تولي أوروبا مسؤولية الردع النووي بشكل منفرد بعيداً عن الولايات المتحدة بأنها فكرة "غير واقعية". وجاء هذا الموقف على لسان وزير الدفاع الفنلندي، أنتي هاكانين، ليحسم الجدل الدائر حول إمكانية الاستغناء عن المظلة النووية الأمريكية في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
الواقعية السياسية في مواجهة الطموحات الأوروبية
أكد الوزير هاكانين أن الحديث عن استبدال القدرات النووية الأمريكية بأخرى أوروبية خالصة لا يمت للواقع بصلة في الوقت الراهن. وأشار إلى أن الثقة في الاتفاقيات المبرمة داخل حلف الناتو، وتحديداً الالتزام الأمريكي بالردع النووي، تظل الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي. تأتي هذه التصريحات رداً على النقاشات التي أثارتها بعض الأصوات الأوروبية، مثل مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، التي دعت لمناقشة تطوير قوة ردع أوروبية.
ويرى مراقبون أن الموقف الفنلندي ينبع من موقعها الجغرافي الحساس؛ إذ تشترك فنلندا في حدود برية تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر مع روسيا، مما يجعلها تدرك أهمية وجود ضمانات أمنية قوية وفعالة ومجربة، بدلاً من الاعتماد على مشاريع دفاعية مستقبلية لم تتبلور بعد.
محدودية القدرات النووية الأوروبية
من الناحية العملية، أشار وزير الدفاع الفنلندي إلى الفجوة الكبيرة في القدرات. فبينما تمتلك فرنسا والمملكة المتحدة ترسانات نووية خاصة بهما، إلا أن هذه القدرات لا يمكن مقارنتها بحجم وانتشار الترسانة النووية الأمريكية التي توفر غطاءً شاملاً لدول الحلف. ورغم ترحيب هاكانين بأي استثمارات أوروبية إضافية في مجال الدفاع لتعزيز القوة التقليدية أو دعم الترسانات الموجودة في باريس ولندن، إلا أنه شدد على أن ذلك يجب أن يكون مكملاً للدور الأمريكي وليس بديلاً عنه.
تحذيرات الناتو والتكلفة الباهظة
يتناغم الموقف الفنلندي مع تحذيرات سابقة أطلقها الأمين العام لحلف الناتو، الذي نبه إلى أن محاولة أوروبا بناء هيكل دفاعي مستقل تماماً عن واشنطن ستكلف القارة "مليارات" طائلة، فضلاً عن المخاطرة بفقدان "الضمانة القصوى" للحرية الأوروبية المتمثلة في المظلة النووية الأمريكية. وأكدت قيادات الحلف مراراً أن أوروبا لا تستطيع في المدى المنظور الدفاع عن نفسها بمفردها ضد التهديدات الكبرى دون الشراكة عبر الأطلسي.
الأهمية الاستراتيجية للموقف الفنلندي
يكتسب هذا التصريح أهمية خاصة نظراً لحداثة عهد فنلندا بالناتو، حيث يعكس رؤية الدول الاسكندنافية ودول البلطيق التي ترى في الوجود الأمريكي صمام الأمان الوحيد لردع أي عدوان محتمل. ويُظهر هذا الموقف أن الدول الواقعة على خط المواجهة الأول تفضل الواقعية العسكرية والتحالفات القائمة على المغامرة في مشاريع استقلال استراتيجي قد تضعف وحدة الصف الغربي.



