جنوب إفريقيا تسحب قواتها من بعثة الأمم المتحدة في الكونغو

أعلنت رئاسة جنوب إفريقيا، في خطوة استراتيجية تعكس تحولات المشهد الأمني في القارة السمراء، عن قرارها بسحب قواتها المشاركة ضمن بعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO). ويشمل هذا القرار سحب 700 جندي، حيث أبلغ الرئيس سيريل رامافوزا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، رسمياً بهذا الإجراء الذي يأتي بعد عقود من المشاركة الفعالة في عمليات حفظ السلام.
تفاصيل القرار وإعادة تنظيم الموارد
وفقاً للبيان الرئاسي الصادر مساء السبت، فإن عملية الانسحاب ستكتمل قبل نهاية العام الجاري. وأوضحت الرئاسة أن هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل تأثر بشكل مباشر بالحاجة الملحة إلى "توحيد موارد قوات الدفاع الوطني لجنوب إفريقيا وإعادة تنظيمها". ويأتي هذا التوجه بعد نحو 27 عاماً من التزام جنوب إفريقيا بدعم جهود الأمم المتحدة لحفظ السلام في المنطقة، مما يشير إلى رغبة بريتوريا في إعادة تقييم التزاماتها العسكرية الخارجية بما يتناسب مع التحديات الداخلية والإقليمية المستجدة.
خلفية تاريخية عن بعثة "مونوسكو"
تعد بعثة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO) واحدة من أكبر وأغلى بعثات حفظ السلام في العالم. تأسست البعثة في الأصل تحت اسم "مونوك" في عام 1999 قبل أن يتم تغيير اسمها وهيكلتها في عام 2010. طوال أكثر من عقدين، لعبت هذه القوات دوراً محورياً في محاولة تثبيت الاستقرار في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالموارد الطبيعية ولكنها تعاني من اضطرابات مستمرة بسبب نشاط عشرات الجماعات المسلحة. ويأتي انسحاب جنوب إفريقيا كجزء من خطة أوسع للأمم المتحدة لتقليص وجودها تدريجياً وتسليم المسؤوليات الأمنية للقوات الكونغولية الوطنية.
التحديات الأمنية وتصاعد نفوذ حركة "إم 23"
يتزامن هذا الانسحاب مع توقيت حرج للغاية يشهده شرق الكونغو الديمقراطية، حيث تصاعدت حدة الصراع بشكل ملحوظ مطلع العام 2025. وقد تمكنت حركة "23 مارس" (إم 23) المتمردة، والتي تشير تقارير أممية إلى تلقيها دعماً خارجياً، من السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي ومدن استراتيجية رئيسية. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول الفراغ الأمني الذي قد يخلفه انسحاب القوات الأممية، ومدى جاهزية الجيش الكونغولي لملء هذا الفراغ.
الفرق بين الانسحاب الأممي والالتزام الإقليمي
من الجدير بالذكر أن انسحاب جنوب إفريقيا من بعثة الأمم المتحدة لا يعني خروجها العسكري الكامل من الكونغو. ففي العام الماضي، نشرت بريتوريا مئات الجنود في إطار مهمة عسكرية منفصلة تابعة للجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (SADC). هذه القوة الإقليمية تم نشرها خصيصاً لمواجهة التهديد المتزايد لحركة "إم 23"، وقد تكبدت قوات جنوب إفريقيا ضمن هذه البعثة خسائر بشرية، بما في ذلك مقتل 17 جندياً في الاشتباكات الأخيرة. هذا التمايز يوضح أن استراتيجية جنوب إفريقيا تتحول من حفظ السلام التقليدي تحت مظلة الأمم المتحدة إلى عمليات فرض السلام والمواجهة المباشرة تحت مظلة إقليمية إفريقية.
التأثيرات المتوقعة محلياً ودولياً
يحمل هذا القرار دلالات سياسية وأمنية واسعة؛ فعلى الصعيد المحلي، يضع الحكومة الكونغولية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية سيادتها. أما إقليمياً، فهو يعزز من دور المنظمات الإفريقية مثل (SADC) في حل النزاعات داخل القارة بدلاً من الاعتماد الكلي على الأمم المتحدة. ودولياً، يشير هذا التحرك إلى مرحلة جديدة من "إرهاق حفظ السلام"، حيث تسعى الدول المساهمة بقوات إلى تقليص نفقاتها ومخاطرها في بعثات طويلة الأمد لم تحقق السلام النهائي المنشود.


