الهيكلة الرضائية: تعديلات تشرعن إفلاس التسوية خارج المحاكم

شهدت البيئة التشريعية والتجارية في المملكة العربية السعودية تطوراً لافتاً مع الإعلان عن تعديلات نظامية جديدة تتعلق بـ “الهيكلة الرضائية”، وهي خطوة تهدف إلى شرعنة وتنظيم إجراءات “إفلاس التسوية” خارج ساحات المحاكم. تأتي هذه الخطوة لتعزيز مرونة النظام المالي والتجاري، وتمكين الشركات المتعثرة من تصحيح أوضاعها بطرق أكثر فاعلية وسرعة.
السياق العام وتطور نظام الإفلاس في السعودية
لم تأتِ هذه التعديلات من فراغ، بل هي استكمال لمسيرة تطوير البيئة العدلية والتجارية التي بدأت بشكل مكثف مع إطلاق رؤية المملكة 2030. فمنذ صدور نظام الإفلاس بموجب المرسوم الملكي رقم (م/50) وتاريخ 28/5/1439هـ، سعت المملكة إلى سد الفجوة التشريعية التي كانت تواجه الشركات المتعثرة. قبل هذا النظام، كانت خيارات الشركات محدودة وغالباً ما تنتهي بالتصفية وخروجها من السوق، مما يضر بالاقتصاد الوطني ويفقد السوق العديد من الوظائف.
يُعد نظام الإفلاس السعودي نقلة نوعية، حيث تضمن إجراءات متعددة مثل التسوية الوقائية، وإعادة التنظيم المالي، والتصفية. وتأتي التعديلات الجديدة الخاصة بـ “الهيكلة الرضائية” لتضيف خياراً حيوياً يسمح للمدين والدائنين بالوصول إلى اتفاقيات تسوية ودية دون الحاجة إلى الخوض في إجراءات التقاضي الطويلة والمعقدة منذ البداية، مع إضفاء الصبغة القانونية والنظامية على هذه الاتفاقات.
أهمية الهيكلة الرضائية وتأثيرها الاقتصادي
تكمن أهمية شرعنة “إفلاس التسوية” خارج المحاكم في عدة نقاط جوهرية تؤثر إيجاباً على الاقتصاد المحلي وتعزز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً:
- تسريع الإجراءات: تتيح الهيكلة الرضائية للشركات تجاوز البيروقراطية والمدد الزمنية الطويلة المرتبطة بالمحاكم، مما يساعد في إنقاذ الأصول قبل تآكل قيمتها.
- تخفيف العبء عن القضاء: من خلال حل النزاعات المالية خارج القاعات القضائية، يقل الضغط على المحاكم التجارية، مما يتيح لها التركيز على القضايا الأكثر تعقيداً.
- تعزيز الثقة الاستثمارية: ينظر المستثمرون الأجانب والمحليون إلى وجود آليات واضحة ومرنة للتعامل مع التعثر المالي كعامل أمان رئيسي. وجود خيارات مثل الهيكلة الرضائية يرفع من تصنيف المملكة في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال الدولية.
- الحفاظ على استمرارية المنشآت: الهدف الأسمى لهذه التعديلات هو تمكين المنشآت الاقتصادية من الاستمرار والمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، بدلاً من انهيارها بسبب أزمات سيولة مؤقتة.
ختاماً، تمثل هذه التعديلات خطوة متقدمة نحو نضج البيئة القانونية للأعمال في السعودية، حيث توازن بين حقوق الدائنين في استرداد أموالهم، وحاجة المدينين إلى فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقهم المالية بعيداً عن ضغوط التصفية الإجبارية.




