الناتو يطلق مهمة حارس القطب الشمالي لتعزيز الأمن في جرينلاند

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الدولي بمنطقة أقصى الشمال، أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) رسمياً عن بدء التخطيط لمهمة أمنية جديدة تهدف إلى تعزيز وجوده العسكري والاستراتيجي في منطقة القطب الشمالي. يأتي هذا الإعلان في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية والمنافسة الدولية على الموارد والممرات المائية في هذه المنطقة الحيوية.
وأكد مارتن أودونيل، المتحدث باسم القيادة العليا لقوات الحلف في أوروبا، أن الحلف بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مهمة مراقبة مُعززة أُطلق عليها اسم “حارس القطب الشمالي”. وأوضح أودونيل أن هذه العملية تهدف بشكل أساسي إلى “تعزيز الوعي الظرفي والوجود الميداني للناتو في القطب الشمالي ومناطق أقصى الشمال”، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي استجابة للمتغيرات الأمنية المتسارعة.
أهمية استراتيجية وتنافس دولي
لا يمكن فصل هذا التحرك عن السياق العام للصراع الدولي في المنطقة؛ فالقطب الشمالي لم يعد مجرد مساحة جليدية نائية، بل تحول إلى ساحة مواجهة استراتيجية. تشير التقارير العسكرية إلى أن روسيا قامت في السنوات الأخيرة بتحديث أسطولها الشمالي وأعادت فتح قواعد عسكرية تعود للحقبة السوفيتية، مما منحها تفوقاً نسبياً في المنطقة. في المقابل، تسعى الصين لتقديم نفسها كدولة “قريبة من القطب الشمالي” طامحة للاستفادة من طريق الحرير القطبي.
وتأتي مهمة “حارس القطب الشمالي” لتسد فجوة أمنية لطالما أقلقت القادة الغربيين، خاصة في المنطقة الممتدة من جرينلاند إلى أيسلندا والمملكة المتحدة (ما يعرف بـ فجوة GIUK)، والتي تعتبر حيوية لعمليات النقل البحري والاتصالات عبر الأطلسي.
جرينلاند في قلب المعادلة
ارتبط الإعلان عن المهمة الجديدة بشكل وثيق بالجدل الذي أثاره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول جزيرة جرينلاند. ورغم أن فكرة “شراء” الجزيرة قد استُبعدت رسمياً، إلا أن التركيز الأمريكي عليها يسلط الضوء على أهميتها الجيوسياسية كحصن متقدم للدفاع عن أمريكا الشمالية وأوروبا. وتتمتع جرينلاند بموقع استراتيجي حاكم، وتضم قاعدة “ثول” الجوية الأمريكية، التي تعد جزءاً أساسياً من نظام الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية.
تأثيرات التغير المناخي والأمن الاقتصادي
إلى جانب البعد العسكري، يفرض التغير المناخي واقعاً جديداً؛ حيث يؤدي ذوبان الجليد إلى فتح ممرات ملاحية جديدة قد تختصر طرق التجارة العالمية، فضلاً عن تسهيل الوصول إلى ثروات طبيعية هائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة. هذا الواقع الجديد يجعل من تأمين هذه الممرات وحماية المصالح الاقتصادية لدول الحلف ضرورة ملحة، وهو ما تسعى مهمة “حارس القطب الشمالي” لتحقيقه من خلال تكثيف المراقبة الجوية والبحرية.
ويشير الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه بين الرئيس الأمريكي وأمين عام الناتو مارك روته في دافوس، إلى توافق عبر الأطلسي على ضرورة عدم ترك القطب الشمالي كمنطقة فراغ أمني قد تستغله قوى منافسة، مما يؤسس لمرحلة جديدة من العسكرة المنضبطة في أقصى شمال الكرة الأرضية.



