المنتدى السعودي للإعلام يناقش مستقبل الصحافة والخوارزميات

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي تعيد تشكيل المشهد الإعلامي عالمياً، شهد المنتدى السعودي للإعلام 2026 انعقاد جلسة حوارية استراتيجية بعنوان “صحافة الغد: الحقيقة في عصر الخوارزميات”. ركزت الجلسة على مناقشة التأثيرات العميقة للذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة على العمل الصحفي، وكيفية الحفاظ على المصداقية في بيئة تسيطر عليها البيانات الضخمة.
وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة مع تحول الرياض إلى عاصمة إعلامية إقليمية، حيث يسعى المنتدى سنوياً إلى استشراف مستقبل الصناعة وتطوير أدواتها بما يتوافق مع المعايير المهنية العالمية، وبمشاركة نخبة من الخبراء، منهم محمد البيشي، ومحمد زاهد جول، ويونس مجاهد، وبإدارة الإعلامي نواف الصيعري.
تحديات الدقة في الصحافة الاقتصادية
استهل محمد البيشي حديثه بالتأكيد على أن “صحافة الغد” لم تعد خياراً بل واقعاً يفرض نفسه بقوة الخوارزميات. وأشار إلى خصوصية التحدي في غرف الأخبار الاقتصادية، حيث تعتمد المصداقية بشكل كلي على دقة الأرقام والبيانات المالية. وأوضح أن أي خطأ ناتج عن السرعة أو الاعتماد الأعمى على التقنية قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على الأسواق والمستثمرين.

وأضاف البيشي أن الخوارزميات، رغم دورها الإيجابي في تسريع وصول المعلومة للجمهور المستهدف، إلا أنها جعلت بيئة العمل الصحفي أكثر خطورة وتعقيداً، لا سيما مع تصاعد موجات الأخبار الزائفة التي تنتشر بسرعة البرق، مما يضع المؤسسات الإعلامية أمام اختبار يومي للحفاظ على ثقة المتلقي.
الذكاء الاصطناعي: سلاح ذو حدين
من جانبه، تناول محمد زاهد جول زاوية أخرى تتعلق بوعي المتلقي، مشيراً إلى أن الجمهور أصبح اليوم أكثر إدراكاً ووعياً بمخاطر المحتوى المضلل والمولد عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكد جول أن التكنولوجيا نفسها التي تُستخدم في التزييف، توفر في المقابل أدوات متطورة تساعد الصحفيين والجمهور على كشف التزييف والتمييز بين المحتوى الأصيل والمصطنع.

ويعكس هذا الطرح التوجه العالمي نحو استخدام الذكاء الاصطناعي ليس فقط في توليد المحتوى، بل في عمليات التحقق (Fact-Checking)، وهو ما يعزز من قدرة وسائل الإعلام على تنقية الفضاء المعلوماتي من الشوائب.
الحوكمة المؤسسية والسياسات التحريرية
وفي سياق التنظيم المؤسسي، شدد يونس مجاهد على ضرورة أن تتبنى المؤسسات الإعلامية سياسات واضحة وحوكمة فعّالة لإدارة التعامل مع الخوارزميات. وأكد أن فهم الفلسفة الكامنة وراء هذه التقنيات هو المفتاح للتعامل معها بمهنية، محذراً من الانجراف وراء “الترند” على حساب القيم الصحفية الراسخة.

وتأتي دعوة مجاهد متناغمة مع التوجهات الدولية التي تطالب بوضع أطر أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، لضمان عدم تحيز الخوارزميات أو انتهاكها للخصوصية، وللحفاظ على العنصر البشري كحارس للبوابة الإعلامية.
مستقبل الإعلام في ظل رؤية المملكة
تندرج هذه الجلسة ضمن فعاليات المنتدى السعودي للإعلام، الذي يُعد منصة رائدة لتبادل الخبرات وتطوير الكفاءات الإعلامية. ويأتي التركيز على “صحافة الغد” مواكباً لمستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعزيز البنية التحتية الرقمية وبناء اقتصاد معرفي قوي، حيث يلعب الإعلام دوراً محورياً في نقل الصورة الحقيقية ومواجهة حملات التضليل.

ختاماً، أجمع المشاركون على أن التكنولوجيا، مهما تطورت، تظل أداة في يد الصحفي، وأن الرهان الحقيقي يبقى على الكفاءة البشرية القادرة على تطويع هذه الأدوات لخدمة الحقيقة، مما يضع مسؤولية كبيرة على عاتق المؤسسات لتدريب كوادرها وتأهيلهم لقيادة صحافة المستقبل.



