مستقبل جرينلاند: رئيس الوزراء يطلب نتائج ملموسة من واشنطن

أكد ينس فريدريك نيلسن، رئيس وزراء جرينلاند، أن حكومته تنتظر “نتائج ملموسة” وواضحة من الحوار الجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية. جاء ذلك خلال كلمته في افتتاح دورة الشتاء لبرلمان الجزيرة القطبية، التي عادت لتتصدر المشهد الجيوسياسي العالمي في ظل الاهتمام الأمريكي المتزايد بتعزيز النفوذ فيها.
وصرح نيلسن أمام النواب قائلاً: “إن الحوار قد بدأ بالفعل، وإن حكومة جرينلاند ستعمل بعزم وإصرار ليؤدي هذا المسار إلى نتائج ملموسة تخدم مصالح شعبنا”. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه منطقة القطب الشمالي تنافساً دولياً متصاعداً، حيث تسعى القوى العظمى لتأمين موطئ قدم في هذه المنطقة الغنية بالموارد الطبيعية والموقع الاستراتيجي.
تفاصيل المباحثات الثلاثية
في خطوة عملية لترجمة هذا الحوار، عُقد الاجتماع الأول لمجموعة العمل المشتركة بشأن قضية جرينلاند في 28 يناير في العاصمة واشنطن. وضم الاجتماع وفداً رفيع المستوى شمل موظفين كباراً ومسؤولين من الدنمارك وجرينلاند والولايات المتحدة، مما يعكس الطبيعة المعقدة للعلاقة بين الأطراف الثلاثة، حيث تتمتع جرينلاند بحكم ذاتي موسع بينما تظل تابعة للتاج الدنماركي في الشؤون الخارجية والدفاعية.
وفي تعليق على سير المباحثات، أكد وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكي راسموسن، في اليوم التالي للاجتماع أن “الأمور سارت بشكل جيد، وفي أجواء بناءة جداً”، مشيراً إلى وجود رغبة مشتركة في الوصول إلى تفاهمات تحترم سيادة الجميع.
الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند
تكتسب هذه المباحثات أهمية قصوى نظراً لموقع جرينلاند الجغرافي الحيوي بين أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا. وتنظر واشنطن إلى الجزيرة كحصن استراتيجي للأمن القومي الأمريكي، خاصة مع وجود قاعدة “ثول” الجوية (Thule Air Base) في شمال الجزيرة، والتي تعد جزءاً أساسياً من نظام الإنذار المبكر الصاروخي للولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، تزخر الجزيرة باحتياطيات هائلة من المعادن الأرضية النادرة التي تعتبر ضرورية للصناعات التكنولوجية الحديثة، مما يجعلها هدفاً اقتصادياً واستراتيجياً في آن واحد.
دعم أوروبي وموقف حازم
وفي سياق التحركات الدبلوماسية، أشار نيلسن، الذي التقى برفقة رئيسة وزراء الدنمارك كلاً من الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني، إلى أن المباحثات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب يجب أن تسير بالتوازي مع تعزيز “الحوار الوثيق مع الدول الغربية” والتعاون المستمر مع الاتحاد الأوروبي.
وأضاف نيلسن بنبرة واثقة: “لسنا وحدنا ونحن محميون، كل دول الاتحاد الأوروبي تدعمنا”. وشدد مجدداً على المبدأ الثابت للجزيرة قائلاً: “جرينلاند لا يمكن شراؤها أو بيعها”، وهو الموقف الذي كرره في كل مناسبة ألمح فيها ترامب إلى رغبته في ضم الجزيرة ذات الحكم الذاتي، مؤكداً أن العلاقة مع واشنطن يجب أن تكون علاقة شراكة لا استحواذ.
تطورات الموقف الأمريكي والناتو
جاءت هذه المباحثات المكثفة بين الدنمارك وجرينلاند والولايات المتحدة بعد تراجع ترامب عن تلويحه السابق بالسيطرة بالقوة أو شراء الجزيرة الواقعة في الدائرة القطبية الشمالية، وهي التصريحات التي كانت قد أثارت جدلاً واسعاً.
وكانت تهديدات الرئيس الأمريكي بشأن قضية جرينلاند قد تسببت في واحدة من أخطر الأزمات الدبلوماسية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ تأسيسه عام 1949، حيث اعتبرت الدنمارك الاقتراح “سخيفاً” في حينه. ومع ذلك، يبدو أن الأمور تتجه نحو التهدئة الدبلوماسية، حيث أعلن ترامب مؤخراً أنه توصل إلى “إطار” لاتفاق مع الأمين العام للحلف مارك روته، وذلك على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ورغم عدم الكشف عن تفاصيل دقيقة لمضمون هذا التفاهم، إلا أنه يشير إلى تحول في النهج الأمريكي نحو التعاون بدلاً من الضغط الأحادي.



