عاصفة ثلجية تضرب أمريكا: 100 قتيل وتأجيل مهام ناسا

تعيش الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً ولايات الجنوب، حالة من الشلل التام ومأساة إنسانية متفاقمة، إثر اجتياح عاصفة ثلجية قطبية شديدة البرودة للمنطقة، مما أسفر عن مصرع أكثر من 100 شخص في حصيلة أولية مفزعة. هذه الموجة الجليدية لم تكتفِ بحصد الأرواح، بل امتد تأثيرها ليضرب البنية التحتية للطاقة ويعطل خطط وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، في حدث مناخي يوصف بأنه الأسوأ منذ عقود.
طقس تاريخي وانخفاض قياسي في درجات الحرارة
أفادت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية بأن عاصفة ساحلية عميقة مصحوبة بكتلة هوائية قطبية تسببت في انخفاض درجات الحرارة إلى مستويات قياسية لم تشهدها المنطقة منذ عام 1989. وقد اجتاحت الثلوج الكثيفة والرياح العاتية ولايات كارولاينا الشمالية والجنوبية، جورجيا، وشرق تينيسي، وصولاً إلى جنوب فلوريدا، وهي مناطق غير معتادة جغرافياً ومناخياً على التعامل مع درجات حرارة تهبط إلى ما دون الصفر المئوي.
وفي سياق التوقعات الجوية، حذرت الهيئة من أن العاصفة الشتوية ستغلف مناطق واسعة بالجليد، حيث من المتوقع أن تصل درجات الحرارة في بعض المناطق إلى 9 درجات تحت الصفر، وهو انحراف حاد عن المعدل الطبيعي لشهر يناير الذي يتراوح عادة بين 2 و15 درجة مئوية في تلك الولايات.
ناسا وتأجيل الطموح القمري
لم يقتصر تأثير العاصفة على الأرض، بل طال عنان السماء؛ حيث اضطرت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" إلى اتخاذ قرار صعب بتأجيل اختبار حيوي لتزويد الوقود لصاروخها العملاق الذي يبلغ طوله 98 متراً، والجاثم على منصة الإطلاق في كيب كانافيرال بولاية فلوريدا. هذا التأجيل اللوجستي الناتج عن الطقس المتجمد من المرجح أن يلقي بظلاله على الجدول الزمني للرحلات الفضائية، مما قد يؤدي بدوره إلى تأجيل الرحلة المأهولة المرتقبة إلى محيط القمر والتي كانت مقررة في شهر فبراير، مما يبرز كيف يمكن للظواهر الطبيعية أن تعرقل أكثر التقنيات البشرية تقدماً.
انهيار البنية التحتية وانقطاع الكهرباء
تسببت العاصفة في أضرار جسيمة بشبكات الطاقة، حيث رصد موقع "باور أوتج" المتخصص انقطاع الكهرباء عن نحو 200 ألف مشترك، تركزت غالبيتهم في ولايات الجنوب مثل ميسيسيبي، تينيسي، ولويزيانا. ويأتي هذا الانقطاع في وقت تشتد فيه الحاجة للتدفئة، مما يفاقم من المخاطر الصحية على السكان.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، استنفرت السلطات المحلية قدراتها؛ ففي كارولاينا الجنوبية، تم تجهيز كاسحات الثلوج لنشرها لأول مرة منذ خمس سنوات، بينما أعلن حاكم ولاية ميسيسيبي، تيت ريفز، عن تدخل فيلق المهندسين بالجيش الأمريكي للمساعدة في تركيب مولدات كهربائية وافتتاح 79 مركز إيواء وتدفئة لإنقاذ المتضررين.
السياق العام وتحديات البنية التحتية في الجنوب
تكتسب هذه العاصفة أهمية خاصة نظراً للسياق الجغرافي؛ فالولايات الجنوبية في أمريكا غالباً ما تفتقر إلى البنية التحتية المجهزة للتعامل مع الثلوج الكثيفة مقارنة بالولايات الشمالية. فلا تتوفر كاسحات الثلوج بأعداد كبيرة، كما أن المنازل وشبكات المياه ليست مصممة دائماً لتحمل درجات التجمد الطويلة، مما يفسر ارتفاع حصيلة الضحايا وحجم الفوضى المرورية وإغلاق الطرق السريعة والمناطق السياحية، مثل جزر "أوتر بانكس" في كارولاينا الشمالية.
ويشير خبراء المناخ إلى أن تكرار وصول هذه الكتل الهوائية القطبية إلى مناطق دافئة تقليدياً قد يكون مؤشراً على اضطرابات مناخية أوسع، مما يستدعي إعادة النظر في جاهزية المدن الساحلية والجنوبية لمواجهة تطرف الطقس مستقبلاً.



