العسل والحنيذ في عسير: ثنائية الكرم وتراث الهوية الغذائية

تُعد منطقة عسير، وتحديداً محافظة محايل، نموذجاً فريداً للتناغم بين الإنسان وبيئته، وهو ما يتجلى بوضوح في المائدة الجنوبية التي تجمع بين متناقضات النكهات لتصنع تجربة تذوق استثنائية. ولعل أبرز هذه الثنائيات هي علاقة "العسل والحنيذ"، التي تتجاوز كونها مجرد وجبة غذائية لتصبح رمزاً ثقافياً يعكس هوية المكان وعراقة التاريخ.
جذور تاريخية وبيئة حاضنة
لم يكن ارتباط العسل بوجبة الحنيذ وليد الصدفة، بل هو نتاج قرون من التكيف مع الطبيعة الجغرافية المتنوعة لمنطقة عسير. فبينما تشتهر تهامة عسير ومحايل بمراعيها الغنية وأوديتها التي تنتج أجود أنواع اللحوم، تزخر الجبال والسهول بالأشجار الرحيقية التي جعلت من المنطقة موطناً أصيلاً لتربية النحل. هذا التنوع البيئي والزراعي أسهم في ازدهار إنتاج أنواع فاخرة من العسل مثل السدر، والسمرة، والطلح، والماجرى، لتصبح هذه المنتجات رفيقة دائمة للولائم والمناسبات الاجتماعية الكبرى.
العسل والحنيذ.. ثنائية المائدة العسيرية
في العرف الاجتماعي لأهالي محايل عسير، لا تكتمل مائدة الحنيذ إلا بحضور العسل المحلي. وتُعد هذه العادة واحدة من أصدق صور الارتباط بالموروث الغذائي؛ حيث يُقدم العسل إما مرافقاً للوجبة الدسمة ليوازن نكهتها، أو كخاتمة للمائدة دلالة على إكرام الضيف. ويشير المؤرخون والمهتمون بالتراث إلى أن تقديم العسل مع اللحوم كان دلالة على الرفاهية والجود، نظراً للقيمة العالية للعسل قديماً وصعوبة استخراجه قبل تطور أدوات النحالة الحديثة.
علي بن صمان: العسل رمز للكرم والجودة
وفي سياق الحديث عن هذا الموروث، يؤكد المربي والمهتم بإنتاج العسل، علي بن صمان، وهو أحد أبرز المشاركين في مهرجان الحنيذ الثاني والحاصل على جوائز عالمية في إنتاج عسل المجرى، أن العلاقة بين العسل والحنيذ هي علاقة "ثقافية متجذرة". ويوضح بن صمان أن العسل لم يكن مجرد صنف إضافي، بل هو ركن أساسي يعكس مفهوم الضيافة المتكاملة في عسير.
ويشير بن صمان إلى أن التنوع التضاريسي في المنطقة ساهم في إنتاج عسل ذي خصائص فريدة يتكامل كيميائياً ومذاقياً مع الحنيذ، مما يمنح الزائر تجربة لا تُنسى. كما نوه بأن الالتزام بالمعايير الصحيحة في تربية النحل هو ما مكن المنتج العسيري من الوصول إلى العالمية، مما يعزز من قيمة المائدة المحلية أمام الزوار والسياح.
أبعاد اقتصادية وسياحية
مع التوجه الحديث نحو تعزيز السياحة الداخلية، باتت هذه الثنائية (العسل والحنيذ) محركاً اقتصادياً مهماً. فقد تحولت المهرجانات المحلية، مثل مهرجان الحنيذ، إلى منصات تسويقية ضخمة تدعم النحالين والأسر المنتجة. ويساهم حضور العسل بقوة في هذه الفعاليات، من خلال أركان التذوق والعروض الحية، في ربط المنتج التراثي بالاقتصاد المحلي، مما يفتح آفاقاً جديدة لتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية في المنطقة.
قيمة غذائية وتجربة ذوقية
من الناحية الصحية والغذائية، يرى الخبراء أن الجمع بين العسل والحنيذ يعكس وعياً فطرياً لدى الإنسان العسيري بالغذاء المتوازن. فالعسل بخصائصه الهاضمة وقيمته الغذائية العالية يعمل على موازنة دسم اللحم المطهو بطريقة الحنيذ التقليدية، مما يجعل الوجبة أكثر قبولاً وفائدة للجسم. وتظل هذه العلاقة بين العسل والحنيذ شاهداً حياً على قدرة الموروث الشعبي في عسير على الاستمرار والتجدد، مقدماً للعالم نكهة تراثية تعكس بصدق هوية المكان والإنسان.



