انهيار مالي يهدد الأمم المتحدة: غوتيريش يحذر العالم

أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تحذيراً شديد اللهجة للمجتمع الدولي، مؤكداً أن المنظمة الأممية تواجه خطر "انهيار مالي وشيك"، في سابقة قد تكون الأخطر في تاريخ المنظمة منذ تأسيسها. ويأتي هذا التحذير في ظل امتناع عدد من الدول المؤثرة عن سداد مستحقاتها المالية، مما يضع مستقبل العمل الدولي المشترك على المحك.
أزمة غير مسبوقة تتجاوز التحديات السابقة
وفي رسالة عاجلة تم تعميمها على الدول الأعضاء، أوضح غوتيريش أن الأمم المتحدة، التي نجحت في تجاوز أزمات مالية خانقة في الماضي، تقف اليوم أمام واقع "مختلف جذرياً". وأشار إلى أن القرارات السياسية التي اتخذتها بعض الدول بعدم الإيفاء بمساهماتها الإلزامية لم تعد مجرد تأخير روتيني، بل تحولت إلى تهديد وجودي يمس جوهر عمل المنظمة وقدرتها على الاستمرار.
تكتسب هذه الأزمة أهمية خاصة نظراً للدور المحوري الذي تلعبه الأمم المتحدة في حفظ الأمن والسلم الدوليين. فالعجز المالي لا يعني فقط توقف دفع رواتب الموظفين، بل يهدد بوقف عمليات حفظ السلام في مناطق النزاع، وتعليق المساعدات الإنسانية لملايين اللاجئين والنازحين حول العالم، مما قد يؤدي إلى تفاقم الفوضى العالمية وانتشار الاضطرابات الإقليمية.
تأثير السياسات الأمريكية وعودة ترامب
يرتبط جزء كبير من الأزمة الحالية بالتغيرات الجيوسياسية في واشنطن. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، اتخذت الولايات المتحدة مساراً تصعيدياً تمثل في تقليص تمويل وكالات المنظمة وتأخير المدفوعات الإلزامية، تماشياً مع سياسة "أمريكا أولاً". وتزامنت هذه الخطوات مع إطلاق ترامب لكيان جديد تحت مسمى "مجلس السلام" في 22 يناير، والذي يرى مراقبون أنه قد يتحول إلى منظمة منافسة تسحب البساط من تحت أقدام الأمم المتحدة، خاصة في ملفات حساسة مثل الوضع في غزة.
أرقام صادمة وحلقة مفرغة
بلغة الأرقام، كشف التقرير أن العجز العام للمنظمة وصل العام الماضي إلى 1.6 مليار دولار، وهو رقم يمثل أكثر من ضعف العجز المسجل في عام 2024. ووصف غوتيريش الوضع بأنه "حلقة مفرغة"، حيث تُطالب المنظمة بإعادة أموال غير موجودة أصلاً، مما يضطرها لتجميد التوظيف وتقليص المهام الحيوية.
تعتمد ميزانية الأمم المتحدة بشكل رئيسي على مساهمات الدول الأعضاء التي تُحسب بناءً على القدرة الاقتصادية لكل دولة (الناتج القومي). وتتحمل الولايات المتحدة النسبة الأكبر (22%)، تليها الصين (حوالي 20%). وأي خلل في سداد هذه النسب من قبل القوى العظمى يحدث زلزالاً مالياً في هيكل المنظمة.
مستقبل غامض لعام 2026
مع اقتراب نهاية ولاية غوتيريش، تبدو التوقعات لعام 2026 قاتمة، حيث حذر الأمين العام من أن سيولة الموازنة العادية قد تنفد تماماً بحلول شهر يوليو المقبل. وأمام هذا الواقع، دعا غوتيريش الدول الأعضاء إلى تدارك الموقف وسداد المستحقات فوراً لتفادي السيناريو الأسوأ، أو القبول بمراجعة شاملة وعميقة للقواعد المالية التي تحكم المنظمة، في وقت يشهد فيه العالم انقسامات جيوسياسية مدمرة وانتهاكات صارخة للقانون الدولي.



