علاقة القلق وتأخر التئام الجروح: دراسة روسية وتقنية الشم الاصطناعي

في كشف علمي جديد يعزز فهمنا للعلاقة الوثيقة بين الصحة النفسية والجسدية، أظهرت دراسة حديثة وجود ارتباط مباشر وقوي بين ارتفاع مستويات القلق لدى المرضى وتأخر عملية التئام الجروح. هذه النتائج تسلط الضوء على أهمية الرعاية النفسية كجزء لا يتجزأ من البروتوكولات العلاجية للجروح والإصابات الجسدية.
وتفيد الدراسة التي أجراها فريق من العلماء في جامعة فورونيج للهندسة التكنولوجية في روسيا، بالتعاون مع نخبة من الأطباء والباحثين، والتي استمرت لأكثر من عام، بأن الحالة النفسية للمريض تلعب دوراً محورياً في سرعة التعافي. ووجد الباحثون أن ارتفاع مستوى القلق إلى نسبة 40% أو أكثر قد يكون مؤشراً قوياً على دخول المريض في حالة اكتئاب، وهو ما يؤثر سلبًا بشكل مباشر في العمليات الكيميائية الحيوية المعقدة داخل الجسم، مما يؤدي بالتبعية إلى إبطاء عملية تجديد الخلايا والتئام الجروح.
تقنية الشم الاصطناعي: ثورة في التشخيص
وللوصول إلى هذه النتائج الدقيقة، أشار المكتب الإعلامي للجامعة إلى أن العلماء استخدموا تقنية مبتكرة تُعرف بـ “الشم الاصطناعي”، وذلك جنباً إلى جنب مع ماسح حيوي متطور. تعتمد هذه التقنية على رصد وتحليل المركبات المتطايرة المنبعثة من الجلد، مما أتاح للفريق البحثي تقييم الحالة النفسية للمريض وتأثيرها الفسيولوجي على سرعة التعافي بدقة غير مسبوقة.
وأوضح العلماء أنهم نجحوا في تطوير نظام متكامل يضم جهاز كشف عالي الحساسية وبرنامجاً متخصصاً لتحليل البيانات. وقد خضع هذا النظام لاختبارات مكثفة وسريرية، حيث أظهرت النتائج وجود علاقة طردية واضحة بين طول المدة اللازمة لالتئام الجروح ومستوى القلق والتوتر الذي يعاني منه المُصاب.
السياق الطبي والبيولوجي لتأثير القلق
من الناحية الطبية، يُعرف أن التوتر والقلق يحفزان الجسم على إفراز هرمونات الإجهاد مثل الكورتيزول والأدرينالين. هذه الهرمونات، وإن كانت مفيدة في حالات الخطر المباشر، إلا أن ارتفاع مستوياتها بشكل مستمر يعيق عمل الجهاز المناعي، ويقلل من إنتاج السيتوكينات الضرورية لعملية الشفاء، كما قد يؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية، مما يقلل من تدفق الأكسجين والمغذيات إلى منطقة الجرح، وهو ما يفسر علمياً سبب تأخر الشفاء الذي رصدته الدراسة الروسية.
أهمية الدراسة ومستقبل العلاج
أكَّدت رئيس قسم الكيمياء الفيزيائية والتحليلية في الجامعة، البروفيسورة تاتيانا كوتشمنكو، أن تحسين البرمجيات وبناء قاعدة بيانات شاملة مكَّنا الفريق من الوصول إلى نتائج بدقة عالية، مبينةً أن هذه التقنية تعد من الأكثر تقدمًا عالميًا مقارنة بالحلول المماثلة. وتفتح هذه الدراسة الباب واسعاً أمام تطوير استراتيجيات علاجية شاملة لا تكتفي بتضميد الجراح الجسدية فحسب، بل تمتد لتشمل الدعم النفسي للمريض لضمان سرعة الشفاء، مما قد يغير من بروتوكولات التعامل مع مرضى الجروح المزمنة والعمليات الجراحية في المستقبل القريب.



