منطقة حمى الثقافية بنجران: متحف عالمي للنقوش الصخرية

تُعد "منطقة حمى الثقافية" الواقعة في منطقة نجران جنوب المملكة العربية السعودية، واحدة من أهم الوجهات التراثية والأثرية على مستوى العالم، حيث تمثل متحفاً مفتوحاً للنقوش الصخرية يوثق مسيرة الإنسان وتطور الحضارات عبر آلاف السنين. لا تقتصر أهمية هذا الموقع على كونه مجرد تجمع للصخور المنقوشة، بل هو سجل حي يعكس عمق الإرث الثقافي والتاريخي للمملكة والجزيرة العربية.
موقع استراتيجي على طرق التجارة القديمة
تمتد "منطقة حمى الثقافية" على مساحة شاسعة تبلغ 557 كيلومتراً مربعاً، وتضم أكثر من 550 لوحة فن صخري تحوي عشرات الآلاف من النقوش والرسومات. وتكتسب المنطقة أهميتها التاريخية من موقعها الجغرافي المحوري؛ حيث كانت محطة رئيسية وحيوية على طرق القوافل القديمة، وتحديداً "طريق البخور" الذي ربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها وصولاً إلى بلاد الرافدين والشام ومصر. كانت آبار "حمى" التاريخية، التي لا تزال تضخ المياه العذبة حتى يومنا هذا، سبباً رئيساً في توافد القوافل والمسافرين والجيوش، مما جعلهم يتركون بصماتهم ونقوشهم تخليداً لذكرى مرورهم عبر هذا الممر الحيوي.
مكتبة لغوية وتوثيق لبدايات الخط العربي
تحتضن "حمى" إرثاً لغوياً فريداً، حيث تزخر صخورها بعشرات الآلاف من النقوش المكتوبة بأنماط ونصوص قديمة متنوعة، تشمل الخط الثمودي، والنبطي، والمسند الجنوبي، والآرامية، والسريانية، واليونانية. والأهم من ذلك، تضم المنطقة نقوشاً عربية مبكرة تعود لفترة ما قبل الإسلام، والتي تمثل الحلقات الأولى والمهمة في تطور الخط العربي الحديث الذي نستخدمه اليوم. هذا التنوع اللغوي يجعل من المنطقة مرجعاً علمياً لا يقدر بثمن لعلماء اللغات والآثار حول العالم.
اعتراف عالمي وقيمة استثنائية
تتويجاً لهذه القيمة التاريخية والحضارية، سُجّلت "منطقة حمى الثقافية" رسمياً في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو في عام 2021، لتصبح سادس موقع سعودي ينضم لهذه القائمة المرموقة. يعكس هذا الاعتراف الدولي الجهود الحثيثة التي تبذلها المملكة العربية السعودية في ظل رؤية 2030 للحفاظ على التراث الوطني وإبرازه للعالم كجزء من الهوية الثقافية العريقة.
تنوع بيئي وفني فريد
إلى جانب النصوص المكتوبة، تشكل الفنون الصخرية في حمى لوحات فنية تروي قصص الحياة اليومية للإنسان القديم. تصور هذه الرسومات مشاهد الصيد، والحيوانات التي كانت تعيش في المنطقة، والنباتات، والأسلحة، مما يقدم للباحثين والزوار تصوراً دقيقاً عن البيئة الطبيعية والاجتماعية التي سادت في تلك العصور. إن هذا التناغم البصري والتاريخي يجعل من زيارة منطقة حمى رحلة عبر الزمن، ومقصداً سياحيًا بارزًا لكل شغوف بالتاريخ والطبيعة.



