حكم نهائي: تأخر الرواتب يُسقط شرط الإشعار ويبيح ترك العمل

أصدرت محكمة الاستئناف العمالية في المملكة العربية السعودية حكماً نهائياً يمثل انتصاراً جديداً لحقوق الموظفين، حيث أيدت حكماً ابتدائياً يقر بحق العامل في ترك العمل فوراً ودون الحاجة لتقديم إشعار مسبق أو الالتزام بفترة الإنذار، وذلك في حال تأخر المنشأة عن صرف مستحقاته المالية في مواعيدها المحددة.
تفاصيل الحكم والاستناد القانوني
استند الحكم القضائي بشكل جوهري إلى المادة «81» من نظام العمل السعودي، والتي تُعد طوق النجاة للموظفين في حالات إخلال أصحاب العمل بالتزاماتهم الجوهرية. وقد اعتبرت المحكمة أن الأجر الشهري هو الركن الأساسي والأهم في العلاقة التعاقدية بين الطرفين، وأن أي إخلال به يمنح العامل الحق في فسخ العقد من طرف واحد مع الاحتفاظ بكامل حقوقه النظامية، بما فيها مكافأة نهاية الخدمة، دون أن يترتب عليه أي تعويض لصاحب العمل عن ترك العمل المفاجئ.
حيثيات القضية واعتراف المنشأة
خلال جلسات النظر في الدعوى، اعتبرت المحكمة أن إقرار المنشأة بتأخر صرف جزء من الأجر يمثل دليلاً قاطعاً لا يقبل التأويل على تقصيرها في التزاماتها التعاقدية. ورسخت المحكمة مبدأً هاماً ينص على أن الالتزام بموعد الأجر هو "التزام جوهري" لا يجوز التهاون فيه، وأن أي تأخير غير مبرر يُسقط حق صاحب العمل في المطالبة بفترة الإشعار (التي تتراوح عادة بين 30 إلى 60 يوماً)، ويجعل قرار العامل بالمغادرة مشروعاً ومتوافقاً مع النظام.
السياق التنظيمي وحماية الأجور في المملكة
يأتي هذا الحكم متناغماً مع الإصلاحات الواسعة التي يشهدها سوق العمل السعودي ضمن رؤية المملكة 2030، والتي تهدف إلى رفع جاذبية بيئة العمل وحفظ حقوق كافة الأطراف. وتعمل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية جاهدة من خلال "برنامج حماية الأجور" لرصد عمليات صرف الرواتب وضمان التزام المنشآت بالدفع في الوقت المحدد وبالقيمة المتفق عليها. ويُعد هذا الحكم القضائي تعزيزاً لهذه الجهود التنظيمية، حيث ينقل الحماية من مجرد إجراءات إدارية إلى سوابق قضائية ملزمة.
أهمية الحكم وتأثيره على سوق العمل
يكتسب هذا الحكم أهمية بالغة على المستويين القانوني والاقتصادي، حيث يشكل رادعاً قوياً للمنشآت المماطلة في سداد حقوق العاملين. ويؤكد الحكم أن العلاقة العمالية ليست علاقة إذعان، بل هي قائمة على التزامات متبادلة، وأن الخلل في سداد الأجور يحل العامل فوراً من قيود العقد. ومن المتوقع أن يدفع هذا التوجه القضائي الشركات إلى إيلاء أولوية قصوى لانتظام الرواتب لتجنب فقدان الكفاءات البشرية والتعرض للمساءلة القانونية، مما يعزز من الاستقرار الوظيفي والأمان المالي للعاملين في القطاع الخاص.
وفي ختام التقاضي، رفضت محكمة الاستئناف محاولات صاحب العمل لنقض الحكم، وقررت قبول الاعتراض شكلاً ورفضه موضوعاً، لتغلق بذلك ملف القضية بتأكيد سلامة الحكم الابتدائي وتوافقه التام مع القواعد النظامية المعمول بها في المملكة.



