زيلينسكي وماكرون: مباحثات حاسمة في باريس حول خطة السلام

في خضم مرحلة مفصلية من تاريخ القارة الأوروبية، أجرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي زيارة استراتيجية إلى العاصمة الفرنسية باريس، حيث عقد مباحثات مكثفة مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون. وتأتي هذه القمة الثنائية في توقيت بالغ الحساسية، يتسم بتداخل التعقيدات العسكرية الميدانية مع التحولات الجيوسياسية الكبرى التي قد تعيد تشكيل النظام الدولي، لا سيما مع الترقب العالمي لتوجهات الإدارة الأمريكية المقبلة.
سياق الصراع والبحث عن مظلة أوروبية
منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، لعبت فرنسا دوراً محورياً في حشد الدعم الأوروبي لكييف. وتكتسب زيارة زيلينسكي الحالية أهمية مضاعفة كونها تأتي استباقاً لتحركات دبلوماسية كبرى، أبرزها اللقاء المرتقب بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف. ويسعى الجانب الأوروبي، بقيادة ماكرون، إلى قطع الطريق على أي سيناريوهات قد تؤدي إلى تفاهمات ثنائية بين واشنطن وموسكو يتم فيها تجاوز المصالح الأوروبية أو السيادة الأوكرانية، وهو ما يعيد للأذهان مخاوف تاريخية من تكرار سيناريوهات تقسيم النفوذ بمعزل عن أصحاب الشأن.
أوروبا ترفض التهميش في مفاوضات السلام
خلال المؤتمر الصحفي، وجه الرئيس الفرنسي رسالة واضحة وحازمة مفادها أن "أوروبا لن تكون مجرد متفرج". وأكد ماكرون على استنفار القارة العجوز لضمان سلام عادل ودائم، مشدداً على أن أي خطة للحل يجب أن تُصاغ بحضور أوروبي فاعل على طاولة المفاوضات. وأوضح أن المرحلة الحالية لا تزال "تمهيدية"، نافياً وجود خطة سلام مُنجزة بالكامل، وذلك لدرء الشائعات حول وجود صفقات سرية جاهزة للتنفيذ. هذا الموقف يعكس رغبة باريس في الحفاظ على وحدة الصف الأوروبي وضمان أن تكون الضمانات الأمنية المستقبلية لأوكرانيا جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الأوروبي الشامل.
تحديات الميدان وتأثيرها على الدبلوماسية
لا يمكن قراءة هذا الحراك الدبلوماسي بمعزل عن الواقع العسكري القاسي على الأرض. فوفقاً لبيانات حديثة استندت لتقارير "معهد دراسة الحرب"، تمكنت القوات الروسية من تحقيق اختراقات ميدانية ملموسة، حيث سيطرت على قرابة 701 كيلومتر مربع خلال شهر واحد فقط. ويُعد هذا التقدم هو الثاني من حيث الحجم منذ بدايات الغزو في ربيع 2022، بعد مكاسب شهر نوفمبر الماضي التي بلغت 725 كيلومتراً مربعاً.
ورغم محاولات الرئيس زيلينسكي التقليل من التأثير الاستراتيجي لهذه الأرقام والتركيز على الطبيعة المتغيرة للمعارك، إلا أن هذه المعطيات تفرض ضغوطاً هائلة على المفاوض الأوكراني. ويدرك زيلينسكي أن الذهاب إلى أي مفاوضات مستقبلية يتطلب تحسين الشروط الميدانية أو الحصول على ضمانات أمنية غربية صلبة تمنع روسيا من استثمار تفوقها العسكري لفرض شروط استسلامية.
حشد دولي وتنسيق عابر للحدود
وفي إطار مساعيه لتعزيز موقفه التفاوضي، لم يكتفِ زيلينسكي بالدعم الفرنسي، بل وسع دائرة اتصالاته لتشمل قادة بريطانيا، ألمانيا، بولندا، وإيطاليا، بالإضافة إلى مسؤولي الناتو والاتحاد الأوروبي. كما يخطط الرئيس الأوكراني لزيارة نادرة إلى أيرلندا، الدولة المعروفة بحيادها العسكري، في خطوة تهدف إلى كسب تأييد دولي أوسع يتجاوز الحلفاء التقليديين. وتتزامن هذه التحركات مع تصريحات للمفاوض الأوكراني رستم عمروف حول إحراز تقدم في مسودة خطة السلام، مع الإصرار على ضرورة إجراء تعديلات تضمن عدم حصول موسكو على أي "مكافأة" سياسية نظير عملياتها العسكرية.



