حكم قضائي: الإيميل يغلب توثيق قوى في قضايا إنهاء العقود

أسدلت محكمة الاستئناف في المملكة العربية السعودية الستار على نزاع عمالي شائك بين موظفة وإحدى المنشآت، مؤيدةً حكماً قضائياً يقضي برفض دعوى التعويض المالي عن إنهاء العقد. وقد أرسى هذا الحكم مبدأً قضائياً هاماً يؤكد حجية المراسلات الإلكترونية (الإيميل) في إثبات الرضا المتبادل، مقدماً إياها على التكييف التقني المسجل في منصة "قوى"، ومستنداً إلى القاعدة الفقهية الراسخة "من سعى لنقض ما تم على يده سقط ادعاؤه".
تفاصيل الواقعة والجدل القانوني
بدأت فصول القضية عندما تقدمت موظفة بدعوى قضائية تطالب فيها بتعويض مالي، مستندة في دعواها إلى إشعار إنهاء خدماتها المسجل عبر منصة "قوى" الحكومية وفق المادة "77" من نظام العمل، والتي تشير عادة إلى إنهاء العقد لسبب غير مشروع يستوجب التعويض. في المقابل، قدمت المنشأة المدعى عليها أدلة قاطعة للمحكمة، تمثلت في مراسلات بريد إلكتروني تثبت أن الموظفة هي من بادرت بطلب إنهاء العلاقة التعاقدية، وأن الأمر تم تحويله إلى استقالة بموافقة كتابية صريحة من الطرفين.
وحسمت الدائرة العمالية هذا الجدل بتأكيدها أن العبرة في القضاء تكون بحقيقة الواقعة وجوهر الاتفاق، لا بمجرد الإجراء التقني أو الخيار المحدد في النظام الإلكتروني. واعتبرت المحكمة أن العلاقة انتهت باتفاق الطرفين وفق الفقرة الأولى من المادة "74" من نظام العمل، مما ينفي صفة "الفصل التعسفي" ويسقط الحق في التعويض.
السياق القانوني وأهمية التوثيق الكتابي
يأتي هذا الحكم ليسلط الضوء على الفروقات الجوهرية بين مواد نظام العمل السعودي، وتحديداً المادة 74 التي تنظم حالات انقضاء عقد العمل (ومنها اتفاق الطرفين)، والمادة 77 التي تحدد تعويضات الإنهاء غير المشروع. ويؤكد الحكم أن اشتراط "الكتابة" لإنهاء العقد بالتراضي قد تحقق عبر المراسلات الإلكترونية، معتبراً أن ما تم تسجيله في منصة "قوى" هو مجرد توثيق إجرائي لا يلغي الإرادة الحرة المسبقة للطرفين.
أهمية الحكم وتأثيره على سوق العمل
يكتسب هذا الحكم أهمية بالغة في سياق التحول الرقمي الذي يشهده سوق العمل السعودي، حيث تعتمد معظم المنشآت حالياً على المنصات الرقمية مثل "قوى" لتوثيق العقود وإنهائها. ويشير الخبراء القانونيون إلى أن هذا الحكم يعزز من استقرار بيئة العمل، حيث يمنع استغلال الأخطاء الإجرائية أو التصنيفات التقنية للحصول على مكاسب مالية غير مستحقة، طالما توفرت الأدلة الكتابية التي تثبت حقيقة الاتفاق.
وانتهت المحكمة إلى تأييد الحكم الابتدائي ورفض استئناف الموظفة، لعدم تقديمها أي جديد يؤثر في سلامة النتيجة، ليصبح الحكم نهائياً وواجب النفاذ، مرسخاً بذلك قاعدة أن "الإيميل" والمخاطبات الرسمية تملك قوة إثبات قاطعة تحمي حقوق جميع الأطراف.



