السعودية: شروط جديدة لإصدار تراخيص الصناعات البيئية

في خطوة تنظيمية حاسمة تهدف إلى إعادة هيكلة قطاع إدارة النفايات في المملكة العربية السعودية، أطلقت وزارة الصناعة والثروة المعدنية دليلاً إجرائياً جديداً يربط إصدار التراخيص الصناعية للمنشآت العاملة في المجال البيئي بالحصول الإلزامي على موافقة «المركز الوطني لإدارة النفايات» (موان). يأتي هذا القرار ليرسخ مبدأ التكامل بين الجهات الحكومية ويضمن حوكمة فعالة لهذا القطاع الحيوي، بما يتماشى مع المعايير البيئية العالمية ونظام التنظيم الصناعي الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي.
سياق القرار وأبعاده الاستراتيجية
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن التوجهات الاستراتيجية للمملكة، حيث يُعد قطاع إدارة النفايات أحد الركائز الأساسية لمبادرة السعودية الخضراء ومستهدفات رؤية 2030. تاريخياً، عانى هذا القطاع من تداخل الصلاحيات والاعتماد على الطرق التقليدية في التخلص من النفايات، مثل الطمر الصحي الذي يشكل عبئاً بيئياً واقتصادياً. لذا، يأتي هذا الربط الإجرائي ليعزز من مفهوم «الاقتصاد الدائري»، الذي تسعى المملكة من خلاله إلى تحويل النفايات من عبء بيئي إلى موارد صناعية ذات قيمة اقتصادية مضافة، مما يقلل الهدر ويعظم الاستفادة من الموارد الطبيعية.
اشتراطات صارمة لتعزيز التقنية
أكدت الوزارة في تنظيمها الجديد أن الحصول على التراخيص والتصاريح من المركز الوطني لإدارة النفايات يُعد شرطاً أساسياً لا يقبل الاستثناء لاستكمال إجراءات الترخيص الصناعي. وشددت اللوائح على أن هذا الربط الإلزامي يشمل كافة الأنشطة الفرعية للصناعات البيئية، وتحديداً منشآت إعادة التدوير، ومحطات المعالجة، ومرافق الفرز. وفي سياق رفع الكفاءة التشغيلية، وضعت الوزارة معياراً صارماً لتصنيف مشاريع «الفرز» كأنشطة صناعية، مشترطة أن تكون العملية آلية بالكامل وتعتمد على تقنيات فصل متطورة، مؤكدة أن عمليات الفرز اليدوي التقليدية لا تؤهل المنشأة للحصول على الترخيص الصناعي، وذلك لتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والميكنة.
التحول من النقل إلى التصنيع
ألزم الدليل المستثمرين الراغبين في الدخول إلى هذا القطاع بتحقيق مفهوم «المشروع الصناعي» الحقيقي، الذي يستوجب إجراء تحويلات فيزيائية أو كيميائية على النفايات لإنتاج مواد جديدة كاملة الصنع أو وسيطة. هذا الشرط يخرج أنشطة الجمع والنقل التقليدية من دائرة الترخيص الصناعي، ليركز الدعم والحوافز على العمليات الإنتاجية التي تخلق قيمة مضافة. كما يتوجب على المنشآت تصنيف منتجاتها بدقة وفق الرموز الوطنية للأنشطة الاقتصادية «ISIC» وربطها بنظام تصنيف السلع المنسق «HS»، مما يسهل عمليات التتبع والرقابة وفتح أبواب التصدير للمنتجات السعودية المعاد تدويرها.
الأثر الاقتصادي والبيئي المتوقع
من المتوقع أن يُحدث هذا التنظيم نقلة نوعية في جودة الاستثمارات في قطاع البيئة، حيث سيساهم في استبعاد الممارسات العشوائية وجذب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية القادرة على توطين تقنيات المعالجة الحديثة. تشترط الإجراءات الجديدة على المستثمر الأجنبي تقديم رخصة استثمار سارية تتضمن نشاطاً محدداً في الصناعات البيئية، مما يعزز من شفافية البيئة الاستثمارية. نهائياً، يهدف هذا الحراك إلى تحقيق التنمية الصناعية والبيئية المتوازنة، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز مبادئ «الإنتاج النظيف» الذي يضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.



