إطلاق برنامج التميز الرقمي لرفع كفاءة الجهات الحكومية

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية في المملكة العربية السعودية عن إطلاق «برنامج التميز الرقمي»، الذي يمثل محطة استراتيجية مفصلية تهدف إلى تتويج نضج التجربة الرقمية الوطنية، ونقل الجهات الحكومية من مرحلة تأسيس الأطر التنظيمية إلى مرحلة مأسسة التميز كنهج مستدام. وتأتي هذه الخطوة لضمان رفع كفاءة الأداء المؤسسي وتحسين جودة الخدمات الرقمية، بما يتوافق بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة.
سياق التحول ومكانة المملكة عالمياً
لا يمكن قراءة هذا الإطلاق بمعزل عن القفزات النوعية التي حققتها المملكة في المؤشرات الدولية، حيث تصدرت السعودية المرتبة الأولى إقليمياً والثانية عالمياً بين دول مجموعة العشرين في مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا). ويأتي برنامج التميز الرقمي ليعزز هذه المكتسبات، حيث تسعى المملكة لترسيخ مكانتها كمركز تقني عالمي، وضمان استمرارية التقدم في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية (EGDI) الصادر عن الأمم المتحدة، والذي شهدت فيه المملكة تقدماً تاريخياً خلال السنوات القليلة الماضية.
مسار تراكمي نحو النضج المؤسسي
ويأتي هذا الإطلاق تتويجاً لمسار عمل تراكمي ممنهج بدأ فعلياً في عام 2021، حيث انصب التركيز في تلك المرحلة على حوكمة البنية المؤسسية لتوحيد المفاهيم وتقليل التداخلات بين الجهات، مما أسهم في بناء قاعدة صلبة لإدارة الأعمال الرقمية. وشهد عام 2023 نضجاً أكبر في التجربة عبر تعزيز التكامل في عمليات القياس، حيث انتقل الحراك الحكومي من مجرد تنظيم الممارسات إلى توحيد آليات الرصد وربط الأداء الرقمي بأطر تدعم صناعة القرار بدقة عالية.
ومثّل عام 2024 نقطة تحول مفصلية بإطلاق الإصدار الثاني من البنية المؤسسية الوطنية «NORA 2»، الذي وسع نطاق العمل ليشمل إدارة الأعمال الرقمية بمرونة عالية، مهيئاً البيئة للانتقال السلس إلى البرنامج الجديد. ويجسد البرنامج الحالي تحولاً نوعياً من التركيز على المنهجيات النظرية إلى تبني إطار وطني تطبيقي شامل، يُعنى بالتطوير والقياس والتحسين المستمر وفق معايير دقيقة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
أعمدة التطوير والأثر الاقتصادي المتوقع
يرتكز هذا الحراك على أربعة أعمدة رئيسية هي: الاستراتيجية، والتقنية، والعمليات، والموارد. وتعمل هذه الأعمدة ضمن نسق مترابط يربط التخطيط بالتنفيذ ويدعم استدامة التحول الرقمي. ومن المتوقع أن ينعكس تطبيق هذه المعايير إيجاباً على الاقتصاد الوطني من خلال رفع كفاءة الإنفاق الحكومي على التقنية، وتقليل الهدر المالي الناتج عن ازدواجية المشاريع، بالإضافة إلى تحسين تجربة المستفيدين (المواطنين والمقيمين) عبر خدمات رقمية استباقية ومتكاملة، مما يصب في صالح برنامج «جودة الحياة».
شهادات تميز وبيئة تنافسية
ولا يكتفي البرنامج بدور «الرقيب»، بل يوفر منظومة ممكنات متكاملة تشمل نماذج تقييم فنية وأدلة استرشادية، تمنح الجهات الحكومية قدرة على اكتشاف نقاط القوة وفرص التحسين لبناء خارطة طريق تطويرية. وفي خطوة لتحفيز الجهات، استحدثت الهيئة نظاماً لمنح «شهادات تميز رقمية» وفق مستويات معتمدة قابلة للتجديد، لخلق بيئة تنافسية تحفز الجهات على التطوير المستمر لأدائها الرقمي وعدم الاكتفاء بالحد الأدنى من المتطلبات.
ويعمل البرنامج ضمن دورة حياة متكاملة تبدأ بتحديث المنهجيات وتمر بالتقييم الذاتي والتحقق، وصولاً لإعلان النتائج وتقديم خطط التحسين، مما يضمن شفافية عالية في الطرح والمتابعة، ويسهم في بناء كوادر وطنية قادرة على قيادة المشهد الرقمي باحترافية عالية.



