معرض الرسم على الجلود بالأحساء: إبداع 22 فنانة تشكيلية

في خطوة تعكس ثراء المشهد الفني في المنطقة الشرقية، دشنت جمعية الثقافة والفنون بالأحساء معرض نتاج «رحلة الفن التدريبية» المتخصص في فنون الرسم والحرق على الجلود الطبيعية. أقيم المعرض في قاعة الصندل للفنون البصرية، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين، حيث استعرضت 22 فنانة تشكيلية إبداعاتهن التي مزجت بين الحرفية العالية والهوية التراثية العريقة للأحساء.
الأحساء.. حاضنة الفنون وعاصمة الحرف اليدوية
لا يأتي هذا الحراك الفني من فراغ، فالأحساء تُعد إحدى أهم حواضر الثقافة في المملكة العربية السعودية، وهي أول مدينة خليجية تنضم لشبكة المدن المبدعة التابعة لليونسكو في مجال الحرف اليدوية والفنون الشعبية. ويُعتبر التعامل مع الجلود ودباغتها من الحرف الضاربة في عمق تاريخ المنطقة، إلا أن هذا المعرض جاء ليعيد تقديم هذه الخامة برؤية فنية معاصرة، محولاً إياها من مجرد خامة وظيفية إلى لوحات فنية تنبض بالحياة.
تقنيات مستدامة وإبداع بصري
أوضحت الفنانة التشكيلية سلمى الشيخ، منسقة لجنة الفنون التشكيلية والخط العربي بالجمعية، أن المعرض هو ثمرة ورشة عمل مكثفة استمرت خمسة أيام. وتميزت الأعمال المعروضة بالاعتماد على «جلود السواكني» المعالجة بالدباغة النباتية، وهو خيار يعكس وعياً بيئياً متنامياً لدى الفنانات، حيث تبرز هذه النوعية من الجلود أثر الحرق بدقة وجمالية عالية. وأكدت الشيخ أن البرنامج ركز على مفاهيم الاستدامة وإعادة التدوير، مما جعل الأعمال الفنية تحمل رسالة بيئية بجانب قيمتها الجمالية.
تطوير المهارات الفنية ضمن رؤية وطنية
من جانبه، أشار يوسف الخميس، مدير جمعية الثقافة والفنون بالأحساء، إلى أن هذا المعرض يأتي ضمن سلسلة «رحلة الفن الثانية» التي تنفذها الجمعية في أربع مناطق رئيسية بالمملكة (المدينة المنورة، حائل، الباحة، والأحساء). ويهدف هذا الحراك إلى صقل مهارات الفنانين والفنانات وتمكينهم من أدوات جديدة تتوافق مع التطور المتسارع في المشهد الثقافي السعودي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنمية قطاع الثقافة والفنون.
تجارب فنية تحاكي التراث والهوية
شهد المعرض تنوعاً لافتاً في الموضوعات المطروحة، حيث ركزت الفنانات على استلهام عناصر البيئة الأحسائية:
- توثيق المعالم التاريخية: قدمت الفنانة إيمان المبرزي عملاً فنياً مميزاً يحاكي «المدرسة الأميرية»، وهي أول مدرسة نظامية في الأحساء، مستخدمة قطعة جلدية كبيرة لتوثيق هذا المعلم التاريخي بتقنيات الحرق الحديثة.
- التراث الاجتماعي: جسدت الفنانة إيمان سعيد الخشرم تفاصيل الحياة الاجتماعية والطقوس التقليدية للعروس الأحسائية، موظفة عناصر مثل (الحنة، التولة، وصندوق المبيت) في لوحاتها.
- تحدي الخامات: خاضت الفنانة عتاب البحري تجربة جديدة بالانتقال من الرسم الزيتي وتشكيل المعادن إلى الحرق على الجلود، مؤكدة أن التحدي يكمن في تطويع الخامة لخدمة الفكرة الفنية.
أثر ثقافي ومجتمعي
أشادت الدكتورة فاطمة الملا، نائبة رئيس جمعية فتاة الأحساء، بالمستوى الاحترافي للأعمال، مؤكدة أن مثل هذه المعارض تساهم في تعزيز الهوية الوطنية وتوثيق التراث المادي للمنطقة بأسلوب إبداعي يجذب الأجيال الجديدة. ويُتوقع أن يستمر عرض هذه الأعمال في محافل قادمة، مما يفتح آفاقاً استثمارية وثقافية للفنانات المشاركات، ويعزز من مكانة الأحساء كوجهة سياحية وثقافية رائدة.



