التراث والثقافة

حسين العميشي يطور صناعة العرشان في الأحساء بابتكار هندسي

تعتبر محافظة الأحساء، واحة النخيل الغناء وأحد مواقع التراث العالمي المسجلة في اليونسكو، مهداً للحرف اليدوية التي تعكس عمق العلاقة بين الإنسان والأرض. وفي قلب هذا المشهد التراثي، نجح الحرفي السعودي حسين العميشي في تقديم نموذج ملهم يجمع بين أصالة الماضي وتقنيات الحاضر، من خلال تطوير صناعة «العرشان» والمظلات الشعبية عبر ابتكار آلة يدوية فريدة قبل ثمانية عشر عاماً.

دمج الهندسة بعبق التراث

لم يكتفِ العميشي بالأساليب التقليدية المتوارثة، بل سعى لابتكار حلول تضاعف الإنتاج وتسرع وتيرة العمل. وأوضح أن ابتكاره يعتمد على تحويل سعف النخيل العادي إلى نماذج مطوية بأسلوب هندسي دقيق، مما يسهل عملية تشييد الجلسات التراثية والمظلات والأسوار الريفية بمتانة عالية ولمسة جمالية تعكس هوية المنطقة الزراعية.

وقد صُنعت هذه الآلة المبتكرة بالكامل من مواد الطبيعة المحلية، حيث دمج العميشي الأخشاب وجذوع النخيل مع بعض الأنابيب البلاستيكية والمكرات لإنتاج جهاز أطلق عليه اسم «السعف المطوي»، نظراً لقدرته الفائقة على تغيير شكل السعف الخام جذرياً وتحويله إلى منتج هندسي متقن.

الجذور التاريخية وأهمية النخلة في الأحساء

تكتسب هذه الصناعة أهميتها من العمق التاريخي لمحافظة الأحساء، التي تحتضن ملايين أشجار النخيل. فمنذ القدم، لم تكن النخلة مصدراً للغذاء فحسب، بل كانت المكون الأساسي للعمارة التقليدية. كانت «العرشان» تمثل الملاذ الصيفي للمزارعين وسكان المنطقة، حيث توفر برودة طبيعية وتهوية مثالية تتناسب مع مناخ المنطقة الحار. ويأتي ابتكار العميشي اليوم ليعيد الاعتبار لهذا النمط المعماري البيئي المستدام، ولكن بأسلوب يواكب متطلبات العصر الحديث والمشاريع السياحية.

دورة الإنتاج والمواسم الزراعية

أشار الحرفي إلى أن عملية الإنتاج تخضع لجدول زمني دقيق مرتبط بالمواسم الزراعية في الأحساء، إذ يتم جمع المادة الخام خلال موسم «الشويه» الصيفي المخصص لقص السعف وتشذيب النخيل. يتم بعد ذلك تخزين السعف بعناية فائقة لضمان جودته واستخدامه لاحقاً وفق احتياجات المشاريع المتنوعة طوال العام، مما يضمن استدامة الموارد الطبيعية وإعادة تدوير مخلفات النخيل بشكل مفيد.

انتعاش اقتصادي وسياحي

تشهد الصناعات التراثية في المملكة العربية السعودية، وفي الأحساء تحديداً، نمواً ملحوظاً تماشياً مع التوجه العام نحو تعزيز السياحة الثقافية. وبين العميشي أن الطلب المحلي في ازدياد مستمر، حيث تتنوع العقود التنفيذية ما بين أعمال صغيرة للأفراد تضفي لمسات جمالية على المنازل، ومشاريع ضخمة تغطي مساحات واسعة من المزارع والمنتجعات الريفية.

وقد تجلى هذا النجاح العملي عندما سجل العميشي رقماً قياسياً في الإنتاج خلال مشاركته في مهرجان «ريف الأحساء» الثالث، حيث تمكن بفضل تقنياته المبتكرة من تنفيذ ثمانية وستين ركناً تراثياً متكاملاً، مما يبرز الجدوى الاقتصادية والعملية لدمج الابتكار في الحرف اليدوية، وقدرة المنتج المحلي على تلبية احتياجات الفعاليات الكبرى.

تطلعات المستقبل واستدامة المهنة

رغم النجاح الذي حققه، يطمح العميشي إلى تحويل آلته اليدوية إلى نموذج أوتوماتيكي متطور يعمل بالكهرباء، مطالباً الجهات المعنية بمساعدته في حماية اختراعه ببراءة اختراع وتوثيقه رسمياً لضمان استدامة هذا الموروث.

وأكد أن مهنة بناء العرشان لا تزال تنبض بالحياة بفضل وجود قامات حرفية مخضرمة، مثل زميله يوسف العويشي، الذين يلعبون دوراً محورياً في تمرير أسرار المهنة وتقنياتها للجيل الجديد. ووجه العميشي دعوة مفتوحة لشباب المحافظة لاستثمار طاقاتهم في تطوير الحرف الشعبية، التي تمثل الذاكرة الحية للمكان وركيزة أساسية في الهوية الوطنية.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى