غرينلاند ترد على ترامب: نرفض الوصاية ومستقبلنا ليس للبيع

في تطور لافت للأزمة الدبلوماسية المتصاعدة في القطب الشمالي، أعلنت الأحزاب السياسية الرئيسية في غرينلاند رفضها القاطع لأي محاولات لفرض الوصاية الأمريكية على الجزيرة، وذلك رداً على التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي لوح فيها بإمكانية استخدام نفوذ واشنطن للسيطرة على الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي.
موقف سياسي موحد ضد الأطماع الخارجية
أصدرت الأحزاب الخمسة الممثلة في البرلمان المحلي لغرينلاند بياناً مشتركاً في ساعة متأخرة من مساء الجمعة، جاء كرد فعل مباشر على تكرار ترامب لتصريحاته بأن واشنطن "ستفعل شيئاً ما بشأن غرينلاند". وجاء في البيان الذي حمل نبرة تحدٍ واضحة: "لا نريد أن نكون أميركيين ولا نريد أن نكون دنماركيين، نريد أن نكون غرينلانديين". وأضاف القادة السياسيون: "يجب أن يقرر الغرينلانديون مستقبل غرينلاند بأنفسهم"، مشددين على رفضهم لأي ضغوط خارجية تدفع نحو قرارات متسرعة أو تدخلات من دول أخرى.
الأهمية الاستراتيجية والموارد: لماذا يريد ترامب غرينلاند؟
لا يعد اهتمام الولايات المتحدة بغرينلاند وليد اللحظة، فالجزيرة تتمتع بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية يربط بين أمريكا الشمالية وأوروبا عبر القطب الشمالي. وتستضيف الجزيرة بالفعل قاعدة "ثول" الجوية الأمريكية، التي تعد حجر الزاوية في نظام الإنذار المبكر الصاروخي للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. علاوة على ذلك، تزخر الجزيرة بموارد طبيعية هائلة أثارت شهية القوى العظمى، حيث تشير التقديرات الجيولوجية إلى احتوائها على احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، بالإضافة إلى المعادن الأرضية النادرة التي تعد ضرورية للصناعات التكنولوجية الحديثة، وهو ما يفسر القلق الأمريكي من تزايد النفوذ الصيني في استخراج هذه الموارد.
سياق تاريخي وصراع نفوذ دولي
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخي يعيد للأذهان محاولات سابقة، حيث سبق للرئيس الأمريكي هاري ترومان أن عرض شراء الجزيرة من الدنمارك عام 1946 مقابل 100 مليون دولار من الذهب، وهو العرض الذي قوبل بالرفض حينها. واليوم، يتجدد هذا الاهتمام في ظل سباق تسلح صامت في الدائرة القطبية الشمالية. ويبرر ترامب تحركاته بأنها ضرورة للأمن القومي الأمريكي لمواجهة التمدد الروسي والصيني المتزايد في المنطقة، حيث كثفت موسكو من تواجدها العسكري، بينما تسعى بكين لفتح طرق تجارية جديدة عبر الممرات الجليدية الذائبة.
ردود فعل أوروبية ومستقبل غامض
أثارت تصريحات البيت الأبيض حول "شراء غرينلاند" أو التدخل العسكري صدمة في الأوساط الأوروبية، وتحديداً في كوبنهاغن. وتكثف العواصم الأوروبية حالياً جهودها لصياغة رد منسق يحترم سيادة الدنمارك وحق سكان غرينلاند في تقرير المصير. ويؤكد المراقبون أن مستقبل الجزيرة لا يمكن أن يقرره سوى شعبها، بعيداً عن صراعات القوى العظمى التي تنظر إلى بلادهم كقعطة شطرنج استراتيجية أو مخزون للموارد الطبيعية.



