خطر الألعاب القتالية على الأطفال: تحذيرات وحلول للإدمان الرقمي

في ظل الثورة الرقمية المتسارعة التي غيرت ملامح الحياة اليومية، باتت الأجهزة الإلكترونية جزءاً لا يتجزأ من واقعنا، إلا أن هذا الاندماج التقني يحمل في طياته مخاطر جسيمة على النشء. وقد دق استشاري الطب النفسي، الدكتور محمد إعجاز براشا، ناقوس الخطر بشأن ظاهرة متنامية تتمثل في تعلق الأطفال المفرط بالألعاب الإلكترونية، وتحديداً الألعاب القتالية، مؤكداً في تصريحات لصحيفة “اليوم” أن الأمر تجاوز حدود الترفيه ليلامس مرحلة “الإدمان السلوكي” الذي يهدد الاستقرار النفسي والجسدي للأطفال.
تطور صناعة الألعاب: من التسلية البسيطة إلى الهوس الرقمي
لفهم أبعاد هذه الأزمة، لا بد من النظر إلى السياق التاريخي لتطور صناعة الألعاب. فبعد أن كانت الألعاب في العقود الماضية تعتمد على آليات بسيطة ورسومات ثنائية الأبعاد تهدف للتسلية العابرة، تحولت اليوم إلى صناعة ضخمة تعتمد على تقنيات الواقعية المفرطة والذكاء الاصطناعي. صُممت الألعاب القتالية الحديثة بخوارزميات دقيقة تستهدف “نظام المكافأة” في الدماغ البشري، مما يحفز إفراز هرمون الدوبامين بشكل مستمر، وهو ما يفسر صعوبة انفصال الطفل عن الشاشة ويخلق حالة من التبعية النفسية تشبه إلى حد كبير تأثير المواد المسببة للإدمان.
محفزات الإدمان وتأثيرها على السلوك
وأوضح الدكتور براشا أن هذا الارتباط المرضي يعود لمزيج من المحفزات التقنية والنفسية، حيث تستخدم التطبيقات الحديثة عناصر بصرية ومؤثرات صوتية مدروسة لجذب انتباه الطفل، بالتزامن مع غياب البدائل الترفيهية الحركية وانشغال الوالدين. وحذر الاستشاري من أن الانغماس الطويل في هذه العوالم الافتراضية يؤدي إلى تآكل المهارات الاجتماعية، حيث يستبدل الطفل التفاعل البشري الحي بالعزلة، مما يضعف قدرته على بناء علاقات حقيقية ويؤدي إلى تشوش في الهوية نتيجة تقمصه لشخصيات افتراضية عنيفة.
المخاطر الصحية والتعليمية: فاتورة باهظة
لا تقتصر التداعيات على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد لتشمل أضراراً تعليمية وجسدية ملموسة. فقد أشار الدكتور براشا إلى أن الإدمان الرقمي يسبب تشتت الانتباه وضعف الذاكرة، مما ينعكس سلباً على التحصيل الدراسي ومهارات القراءة. أما جسدياً، فإن الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات يسبب جفاف العين، وآلام العمود الفقري والرقبة، بالإضافة إلى السمنة المفرطة واضطرابات النوم. وفيما يخص الألعاب القتالية، فإنها تزرع بذور العدوانية لدى الطفل، حيث يربط عقله الباطن بين العنف وتحقيق الإنجاز والرضا النفسي.
البعد العالمي والمجتمعي للأزمة
تتجاوز هذه القضية الحدود المحلية لتصبح هماً عالمياً، حيث صنفت منظمة الصحة العالمية “اضطراب الألعاب” كحالة صحية عقلية تستوجب العلاج. وعلى الصعيد المجتمعي، ينذر استمرار هذه الظاهرة بنشوء جيل يفتقد لمهارات التواصل المباشر والذكاء العاطفي، وهي مهارات أساسية لسوق العمل المستقبلي وللحفاظ على النسيج الاجتماعي المترابط.
استراتيجية “الحجر الصحي الرقمي”: خارطة طريق للحل
كحل عملي لهذه المعضلة، اقترح الدكتور براشا تطبيق ما أسماه “الحجر الصحي الرقمي” داخل المنازل. وتتضمن هذه الاستراتيجية منع استخدام الأجهزة تماماً قبل النوم وأثناء الوجبات لتعزيز التواصل الأسري، مع تحديد ساعات استخدام صارمة تتناسب مع عمر الطفل. وشدد على دور الوالدين كقدوة حسنة في ترشيد استخدام التقنية، داعياً المدارس والمؤسسات التربوية لتفعيل برامج توعوية وأنشطة بدنية تعيد للطلاب حيويتهم، لضمان بيئة نشأة صحية ومتوازنة.



