توتر في قناة بنما: هدم نصب صيني وبكين تطالب بالتحقيق

شهدت العلاقات الدبلوماسية في أمريكا الوسطى توتراً مفاجئاً، عقب إقدام بلدية محلية في بنما على هدم نصب تذكاري صيني يقع عند المدخل الشرقي لقناة بنما الاستراتيجية. وقد أثار هذا الحادث موجة من الاستنكار الرسمي، حيث وصفه الرئيس البنمي بأنه "عمل همجي"، في وقت تتصاعد فيه التجاذبات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين حول النفوذ في هذا الممر المائي الحيوي.
تفاصيل الحادثة وردود الفعل الرسمية
أصدرت بلدية "أرايخان"، الواقعة عند مدخل القناة، أمراً بهدم بوابة صينية تقليدية كانت قد شُيدت عام 2004 على "جسر الأمريكتين"، وهو الهيكل المعدني الضخم الذي يربط بين ضفتي القناة. وبررت البلدية قرارها في بيان رسمي بأن النصب تعرض لأضرار هيكلية تشكل خطراً على السلامة العامة. إلا أن هذا التبرير لم يلقَ قبولاً لدى أعلى هرم السلطة في البلاد.
وعلق رئيس بنما، خوسيه راوول مولينو، بغضب على الواقعة، واصفاً إياها بأنها "عمل غير عقلاني لا يغتفر" و"همجي لا مبرر له"، آمراً بإجراء تحقيق فوري في تدمير النصب الذي كان يضم تمثالي أسدين ومسلة، والتي لا تزال قائمة وحدها وسط الركام.
غضب صيني وجذور تاريخية عميقة
من جانبها، أعربت السفيرة الصينية لدى بنما، شيوي شيوييوان، عن أسفها الشديد، واصفة يوم الهدم بأنه "يوم أسود" بالنسبة لأكثر من 300 ألف مواطن بنمي من أصول صينية. وأكدت أن "التاريخ سيتذكر ذلك"، معربة عن حزنها على ما اعتبرته مساساً برمز الصداقة بين البلدين.
وتجدر الإشارة إلى أن الوجود الصيني في بنما ليس وليد اللحظة، بل يمتد لجذور تاريخية عميقة تعود لمنتصف القرن التاسع عشر. فقد وصل أول المهاجرين الصينيين إلى بنما في عام 1854 للمشاركة في بناء سكة حديد بنما، ولاحقاً شاركوا في أعمال حفر القناة، مما يجعل الجالية الصينية جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والتاريخي للدولة، وهو ما يفسر الحساسية الشديدة تجاه هدم النصب التذكاري.
صراع النفوذ ومستقبل قناة بنما
يأتي هذا الحادث في توقيت حساس للغاية على الصعيد الدولي، حيث تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقليص النفوذ الصيني المتنامي في أمريكا اللاتينية، وتحديداً حول قناة بنما. وتُعد القناة شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، حيث يمر عبرها حوالي 5% من التجارة البحرية الدولية، وتعتبر واشنطن وبكين من أكبر المستخدمين لهذا الممر.
وقد تصاعدت حدة الخطاب السياسي مؤخراً، حيث هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات سابقة بالعمل على "استعادة السيطرة" على القناة، التي كانت تحت الإدارة الأمريكية بين عامي 1914 و1999. ويستند القلق الأمريكي إلى وجود شركات صينية، مثل "هاتشيسون هولدينجز" (مقرها هونج كونج)، تدير موانئ استراتيجية على طرفي القناة في المحيطين الهادي والأطلسي، مما تعتبره واشنطن تهديداً لأمنها القومي في فنائها الخلفي.



