محادثات تايلاند وكمبوديا: مساعٍ لإنهاء نزاع الحدود والمعابد

أعلنت السلطات الكمبودية، اليوم الأربعاء، عن بدء جولة جديدة من المحادثات الرسمية مع الجانب التايلاندي، من المقرر أن تستمر لمدة أربعة أيام، في مسعى جاد لإنهاء المواجهات الحدودية المسلحة التي أرهقت البلدين. ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي وسط آمال حذرة بوقف نزيف الدم واستعادة الاستقرار في المنطقة المتوترة.
تفاصيل الاجتماع والخلاف حول الموقع
يُعقد الاجتماع الحالي عند معبر حدودي في مقاطعة “تشانثابوري” التايلاندية. وقد سبق هذا اللقاء تجاذبات دبلوماسية، حيث طالبت العاصمة الكمبودية “بنوم بنه” بعقد المحادثات في مكان محايد لضمان تكافؤ الفرص، إلا أن الحكومة التايلاندية تمسكت بموقفها الرافض، مما أدى في النهاية إلى القبول بالأمر الواقع لبدء الحوار. وتأكيداً على بدء المفاوضات، نشرت الحكومة الكمبودية صورة رسمية تجمع وفدي البلدين، معلنة انطلاق الجهود الدبلوماسية.
الجذور التاريخية للصراع
لا يعد هذا النزاع وليد اللحظة، بل يمتد بجذوره إلى عقود طويلة مضت، وتحديداً إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية في الهند الصينية. وتتمحور الخلافات حول السيادة على مناطق حدودية تمتد لنحو 800 كيلومتر، وتضم معابد أثرية تاريخية تعود إلى إمبراطورية الخمير القديمة. وتستند كمبوديا في مطالبها إلى خرائط رسمها المستعمر الفرنسي في مطلع القرن العشرين، بينما تعتمد تايلاند على خرائط مغايرة تتماشى مع خطوط تقسيم المياه الطبيعية، مما خلق مناطق “متنازع عليها” تثير الحساسيات الوطنية لدى الشعبين.
جهود التهدئة والتدخلات الدولية
حددت كمبوديا أهداف هذه الجولة بوضوح، والمتمثلة في “ضمان وقف الأعمال العدائية، استعادة الاستقرار، وتسهيل العودة السريعة للوضع الطبيعي”. من جانبه، صرح المتحدث باسم وزارة الدفاع التايلاندية، سوراسانت كونغسيري، للصحفيين في بانكوك معرباً عن أمله في نتائج إيجابية، مشدداً في الوقت ذاته على أن “نجاح المفاوضات يعتمد كلياً على صدق النوايا الكمبودية قولاً وفعلاً”. ورغم استمرار المناوشات، أبدت وزارة الداخلية الكمبودية تفاؤلها بشأن التزام تايلاند بوقف إطلاق النار.
وكان الطرفان قد وقعا في نهاية أكتوبر الماضي اتفاقاً لوقف إطلاق النار في كوالالمبور تحت رعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن هذا الاتفاق انهار سريعاً وعلقت بانكوك العمل به بعد أسابيع قليلة إثر حادثة انفجار لغم أرضي أدت لإصابة عدد من جنودها، مما أعاد التوتر إلى المربع الأول.
التكلفة الإنسانية الباهظة
خلفت الاشتباكات المتجددة منذ السابع من ديسمبر الماضي فاتورة إنسانية ثقيلة، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى مقتل ما لا يقل عن 44 شخصاً (23 من الجانب التايلاندي و21 من الجانب الكمبودي). والأخطر من ذلك هو التداعيات الاجتماعية والاقتصادية، حيث تسببت المعارك في نزوح هائل لأكثر من 900 ألف شخص من سكان المناطق الحدودية على جانبي النزاع، مما خلق أزمة نزوح تتطلب حلولاً عاجلة لضمان عودة هؤلاء المدنيين إلى قراهم ومزارعهم بأمان.



