تجميد البويضات في السعودية: حل طبي لمواجهة انخفاض الإنجاب

أكد الدكتور نبيل بن محمد إعجاز براشا، استشاري العقم وأطفال الأنابيب وجراحات المناظير النسائية بمدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني بجدة، أن التحولات الديموغرافية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، والمتمثلة في التراجع الحاد في معدلات الإنجاب، لم تعد مجرد أرقام إحصائية عابرة، بل باتت تشكل مؤشراً حيوياً يستدعي حلولاً مبتكرة، من بينها النظر بجدية في خيار “تجميد البويضات” كأحد الحلول الطبية الوقائية.
التحولات التاريخية في بنية الأسرة السعودية
شهد المجتمع السعودي خلال العقود الأربعة الماضية تحولات جذرية في بنيته الاجتماعية والاقتصادية. فبعد أن كانت الأسرة الممتدة وكثرة الإنجاب سمة سائدة في الثمانينيات، حيث بلغ متوسط عدد الأطفال في الأسرة الواحدة نحو سبعة أطفال عام 1985، تغير المشهد كلياً مع دخول الألفية الجديدة. وتشير الدراسات الحديثة، بما فيها دراسة صادرة عن جامعة الأميرة نورة، إلى انخفاض هذا المعدل ليصل إلى قرابة طفلين فقط في عام 2024.
هذا التغير الجوهري يأتي متزامناً مع تمكين المرأة السعودية وزيادة مشاركتها الفاعلة في سوق العمل، وارتفاع مستوى التعليم، وتغير أولويات المعيشة، مما أدى بشكل طبيعي إلى تأخر سن الزواج وتأجيل قرارات الإنجاب.
الدكتور نبيل بن محمد إعجاز براشا
تجميد البويضات: حل طبي ببعد اجتماعي
وفي سياق الحلول المقترحة، أوضح د. براشا أن تراجع الإنجاب ليس بالضرورة رفضاً لمبدأ الأسرة، بل هو نتاج قلق من فوات الفرصة البيولوجية بسبب الظروف الحياتية. وهنا يبرز دور “تجميد البويضات” كخيار طبي حديث يمكن أن يلعب دوراً محورياً في دعم الاستقرار النفسي والاجتماعي للمرأة.
وأشار إلى أن إتاحة هذا الخيار وفق ضوابط شرعية وطبية وأخلاقية صارمة، يمنح النساء أماناً مستقبلياً وفرصة للإنجاب في وقت لاحق إذا تجاوزن السن المثالي للحمل، مما يخفف الضغط النفسي والجسدي عليهن، ويسهم في الحفاظ على خصوبة المجتمع على المدى الطويل.
التأثيرات الاقتصادية والديموغرافية المتوقعة
حذر الدكتور براشا من أن استمرار انخفاض النمو السكاني دون تدخلات مدروسة سيؤدي إلى آثار اقتصادية واجتماعية عميقة، منها:
- شيخوخة السكان: تقلص قاعدة الشباب المنتجة مقابل تزايد أعداد كبار السن، مما يضع ضغوطاً هائلة على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية.
- تحديات الرعاية الصحية: ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة المرتبطة بالشيخوخة، وزيادة الحاجة إلى خدمات طبية طويلة الأمد بدلاً من خدمات رعاية الأمومة والطفولة.
- تغير أنماط الاستهلاك: انخفاض الطلب المستقبلي على المدارس والجامعات، مقابل زيادة الطلب على دور الرعاية والخدمات الصحية المتخصصة.

رؤية شمولية لدعم الأسرة
واختتم د. براشا حديثه بالتأكيد على أن الحل لا يكمن في الجانب الطبي فقط، بل يتطلب تضافر الجهود بين القطاعات المختلفة. ودعا إلى تبني سياسات شاملة تشمل:
- توفير بيئات عمل صديقة للأسرة تدعم التوازن بين الحياة المهنية والاجتماعية.
- تعزيز الصحة النفسية للأزواج الجدد وتوفير برامج إرشاد أسري لمواجهة القلق من المستقبل.
- تحسين الخدمات المساندة لرعاية الأطفال وتطوير سياسات إسكانية تشجع على الاستقرار المبكر.
إن الوصول إلى توازن سكاني مستدام يتطلب وعياً مجتمعياً وتكاملاً مؤسسياً لضمان حيوية المجتمع السعودي وصون مستقبل أجياله القادمة، بما يتماشى مع مستهدفات جودة الحياة والتنمية المستدامة.



